جلال الدين السيوطي
6
التحبير في علم التفسير
وشرعت في التصنيف في سنة ستّ وستّين ، وبلغت مؤلّفاتي إلى الآن - أي قبل وفاته باثني عشرة سنة تقريبا - ثلاثمائة كتاب سوى ما غسلته ، ورجعت عنه ، ويقول العيدروسي « 1 » ، ووصلت مصنفاته نحو الستمائة مصنّفا سوى ما رجع عنه وغسله . قال السيوطي : ورزقت التبحّر في سبعة علوم : التفسير ، والحديث ، والفقه ، والنحو ، والمعاني ، والبيان ، على طريقة العرب والبلغاء ، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة . ودون هذه السبعة في المعرفة : أصول الفقه ، والجدل ، والتصريف ، ودونها الإنشاء ، والترسّل ، والفرائض ، ودونها القراءات ولم آخذها عن شيخ ، ودونها الطبّ . وأمّا علم الحساب فهو أعسر شيء عليّ ، وأبعده عن ذهني ، وإذا نظرت في مسألة تتعلّق به فكأنّما أحاول جبلا أحمله . وقد كنت في مبادئ الطلب قرأت في علم المنطق ، ثم ألقى اللّه كراهته في قلبي ، وسمعت أنّ ابن الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك ، فعوّضني اللّه عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم . والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطّلعت عليها فيها ، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي ، فضلا عمّن هو دونهم ، وأمّا الفقه ، فلا أقول ذلك فيه ، بل شيخي فيه أوسع نظرا وأطول باعا . ويقول : وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد ؛ ويذكر الباعث على دعواه هذه فيقول : أقول ذلك تحدّثا بنعمة اللّه تعالى لا فخرا ، وأيّ شئ في الدنيا حتّى يطلب تحصيلها بالفخر ، وقد أزف الرحيل وبدا الشيب ، وذهب أطيب العمر ، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنّفا بأقوالها وأدلّتها النقلية والقياسيّة ، ومداركها ونقوضها وأجوبتها ، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل اللّه ، لا بحولي ولا بقوّتي فلا حول ولا قوّة إلّا باللّه ، ما شاء اللّه لا قوّة إلّا باللّه . أخلاقه وثناء العلماء عليه : يقول نجم الدين الغزّي « 2 » : ولمّا بلغ أربعين سنة من عمره أخذ في التجرّد للعبادة والانقطاع إلى اللّه تعالى ، والاشتغال به صرفا ، والإعراض عن الدّنيا وأهلها كأنّه لم يعرف أحدا منهم . وشرع في تحرير مؤلّفاته ، وترك الإفتاء والتدريس ، واعتذر عن ذلك في مؤلّف ألّفه وسمّاه ب « التنفيس » وأقام في روضة المقياس فلم يتحوّل عنها إلى أن مات ، لم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه .
--> ( 1 ) النور السافر ص / 52 ( 2 ) النور السافر ص / 52